الإنطباع الأول لك أو عليك ؟

الرئيسية20102010/01 » الإنطباع الأول لك أو عليك ؟

المشهد ( 1 ) :
أبو سالم : هل رأيت جارنا الجديد ؟
أبو فهد : نعم ذلك الطويل الذي يكاد من فرط أعصابه ينفجر ، بصراحة لم أستسيغه ! .
أبو سالم : هل أنت تعرفه منذ وقت طويل ؟
أبو فهد : لا لم أرهُ إلا مرة واحدة وهو يصرخ في وجه أحدهم !

المشهد ( 2 ) :
أحمد : سلمت اليوم على زميلنا الجديد في الإدارة أمام المصعد ، ووجدته أنساناً مهذباً للغاية.
خالد : أجل أقاسمك الشعور نفسه قبل أن أتعرف عليه فأنا أشعر عند رؤيته أنه محترم ولطيف .

الانطباع الأول الذي يتكون في ذهنك عن أي إنسان لا يُمحى عادة بسهولة ، وكذلك الانطباع الذي يتكون في ذهن أي إنسان عنك ، وللطباع المختلفة لبني آدم اليد الطولى في نقش الانطباع الأول على صخرة الفِكر ، لأن الإنسان المبادر النشط مثلاً لا يستسيغ الإنسان الهادئ جداً والعكس ربما يكون صحيحاً ، ولكن بشكل عام هناك صفات منفرة وصفات محببة يشترك فيها السواد الأعظم من الناس .
لذلك تجد من نفسك سرعة إصدار حكم على شخص لا تعرفه جلست معه لمدة 5 دقائق ، فمثلاً لو التقيت في أحد المجالس برجل تراه لأول مرة فكان الرجل عالي الصوت وكثير المقاطعة والقهقهة والحركة وبعد أيام سئلت عنه فماذا سيكون جوابك ؟
من المؤكد أنك ستقول : رجلٌ فظٌ نوعا ما وغير متحفظ أو معنىً كهذا !
هذا وأنت لم تجلس معه إلا 5 دقائق ، فإذا رأيته بعد مدة ووجدته صامتاً رزيناً لقلت : ربما أن هناك عارض كدره ، إذ أن الأصل في ذهنك هي الصورة الأولى وما عداها عارض ولن تُمحى تلك الصورة بسهولة ، وربما لو أنك تعاملت معه أكثر وعرفته عن قرب لوجدت الكثير من الأدلة الدامغة على خطأ حكمك ولكن قبل أن يبرح الخفاء لا مفر من سطوة الإنطباع الأول .
وهذا أمر أشهر من فلق الصبح وعلى سبيل المثال تجد أن هناك ما يسمى بالمقابلة الشخصية للحصول على وظيفة ما ، وربما لم تُقبل بالوظيفة رغم انطباق الشروط عليك واجتيازك جميع الإختبارات الخاصة بها ، لأنك لم تنجح بالمقابلة الشخصية التي تعتبر نافذة على شخصيتك وانطباع أول عنك حتى ولو كان هذا الإنطباع في غير محله إلا أننا لا ننكر حقيقة وجوده وواقعيته .
والمستقرئ لفراسة العرب يجد أنها تقوم على أساس الإنطباع الأول ، والفراسة في اللغة هي التثبت والنظر والإستدلال بالظاهر على الباطن ، وفي اصطلاح أهل الحقيقة هي مكاشفة اليقين ، والفراسة والتوسم بمعنى واحد ، جاء في ذلك قول الله تعالى :
{ إن في ذلك لآيات للمتوسمين } . قال مجاهد : للمتفرسين .
وقال طريف العنبري :
أوكلما وَرَدَتْ عكاظَ قبيلةٍ ... بَعَثَتْ إلي عريفَها يَتَوسمُ
( أي يتفرس ويطلب العلامة )

ومن باب الاستطراد حُكىَ عن الإمام الشافعي أنه رحل من الحجاز الى اليمن لأخذ علم الفراسة منهم فمكث عندهم ما شاء الله له أن يمكث ثم رجع وفي طريق عودته وقبل غروب الشمس بقليل رُفِعَ له خباء بعيد وعندما اقترب منه رأى رجلاً قصيراً صغير العينين وأحدب الظهر وسريع المشي ، فقال في نفسه : الآن أختبر صحة فراسة أهل اليمن فحسب الدلائل الظاهرة من الرجل ينبغي أن يكون بخيلاً !
سلم الشافعي فرد الرجل بأحسن سلام وأنزله أحسن منزل بعد أن أنزل رحله وفرش له تلك الفرش الوثيرة ولم يزل يرحب به وبعد قليل أتاه بصحن فيها دجاجة مشوية وكوز ماء بارد ، فكان كحال المقنع الكندي القائل :
وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً ... وما شيمةٌ لي غيْرَها تُشْبِهُ العبدا
أكل الشافعي وأجراس الغرابة تدق في رأسه : أمن المعقول أن يسقط علمهم في أول اختبار؟ .. لالا أظن ، ولكن الرجل بالغ في الكرم والسماحة ولم يظهر الى الآن لي عكس ذلك .
وبعد الأكل أصلح الرجل ما ينام عليه الشافعي فنام الشافعي نوماً هنيئاً من جراء السفر والتعب ، وعند استيقاظه لصلاة الفجر وجد الرجل قد حضر له الماء الدافئ للوضوء فصليا ثم قدم له ما يأكله فأكل ثم جاء بناقته فقام الشافعي يشكر الرجل على حسن صنيعة وعندما ودع الرجل وهم بركوب ناقته قال الرجل : إلى أين تذهب وأنت لم تعطني أجر ما قدمته لك ، أتظنني جعلت منزلي سبيلاً لكل طارق وعابر ؟
أخرج ثمن مبيتك ومبيت ناقتك وعشاءك البارحة وما أكلته قبل قليل ولم يدع صغيرة وكبيرة إلا أحصاها !!
عندها تبسم الشافعي وقال : صدق أهل اليمن .
قال الرجل : ما تقول ؟
قال الشافعي : لا شيء وأعطاه ثمن ليلته .

المهم يجب أن نعلم أن الحرص على تقديم دلائل حسنة عنك لتكوين انطباع جيد يعتبر أمراً مهماً ، كما وأن لهذا الشأن أدوات ومهارات بسيطة ولا نؤيد أن تكون مصطنعة البتة ، ومن هذه المهارات التي جعلناها كالقواعد المقترحة عند وجودك في موقف يؤخذ فيه انطباع عنك :

1 - ليس التكحل في العينين كالكَحَلِ ؟
لا تتكلف سجية مصطنعة لأن التكلف مذموم عموماً ، فاحرص أن تكون أنت أنت .
وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا

2 - { واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }
تجنب ارتفاع الصوت والمقاطعة والإلتفات الكثير وتسفيه الآراء لأنها أدلة ناصعة وحجج ساطعة على الحماقة وقلة المروءة .

3 - شارك ولكن بهدوء ؟
الهدوء في الحوار وتحسس مواضع الصمت أمر جيد ولكن لا يكون هدوءاً ميتاً وصمتاً مطبقاً بحيث يمنعك من المشاركة البناءة العاقلة في الحديث من غير ثرثرة ولا إكثار .
الصمتُ زينٌ والسكوت سلامةٌ ... فإذا نطقت فلا تكن مكثارا

4 - {وأما بنعمة ربك فحدث }
إظهار شيء بسيط ومعقول وعابر من ثقافتك وفضلك وعلمك أمر جميل إذا كان كالعنوان الذي يدل عليك بلا تكبر ولا غرور وفي سياق الحديث من دون أن تعقد فصلاً في مدح نفسك فتسقط مروءتك ، كما يجب العلم أن من القبح الإكثار من إظهار الثقافة في أول لقاء .

5 - أداةٌ سحريــة ؟
الابتسامة لها مفعول السحر في نفس من هو بصدد تكوين انطباع أول عنك، فإذا كانت ابتسامتك هادئة وادعة غير متكلفــة ، ألقت الراحة في القلب والإنشراح في الصدر ودلت على طيبتك وحسن نيتك .
أخو البِشْرِ محبوبٌ على حُسْنِ بِشْرِهِ ...ولن يعدمَ البَغْضاءَ مَن كانَ عابِسا

وأخيراً لك أن تتساءل هل أنت ممن يبقى له الإنطباع الجميل في النفس عند الوهلة الأولى لرؤيته أم لا ؟
أظن الجواب كامناً في القواعد السابقة !


كتبه/ طلال المناور

رحم الله من ذكر المصدر عند النقل
لزيارة مدونة الأريكة :
اضغط هنا  

تابعوا جديد شبكة أبو نواف على:

التعليقات

  • 1
    علي العتيبي (زائر)

    كلام من ذهب ..:D بارك الله فيــك فلقد اكتشفت اشياء كنت اعملها وانا لا أعلم انها خطأ !!

  • 2
    بسمة فرح (زائر)

    رااااااااائع ..جزاك الله خير الجزاء واستئذنك نسخت موضوع في منتدانا لتعم الفائده طبعا مع ذكر اسم الكاتب

  • 3
    mariam49 (زائر)

    اجمل ماقرات .سطور ارسلت ا لى هذا الغروب مشكور اخ طلال والى المزيد

  • 4
    ماهر المومني (زائر)

    :$اشكرك عل هذه المقالة الرائعة

  • 5
    أسيره بلاقيود (زائر)

    :~موضوع راااااااااااائع شكرا

  • تطوير: SharedTech