مخيم جباليا ، ذلك المخيم الصغير ، الذي لا يكاد يغطي مساحة 1.4 كيلو متر مربع ، ذلك المخيم العظيم بانتفاضته ، العظيم بمقاومة أبطاله ، فقد انطلقت الانتفاضة منه عام 1987 ، وكان له دور بارز في الكثير من العمليات الاستشهادية ، وكان الضرب عليه مكثفاً في الحرب اليهودية الأخيرة على غزة ..
استيقظ عمر فجأة ، أحس بحرارة أشعة الشمس على جسده ، لقد اخترقت خيمته القماشية المخرقة ، التي لا تمنع حر صيف ولا برد شتاء ..
نظر إلى إخوته بأجسادهم النحيلة ، تألم لحالهم ، فقد ناموا جوعى بالأمس ، وسيذهب اليوم إلى الأنروا عله يجد ما يسد رمقهم ويقيم صلبهم ، خرج من خيمته ، نظر إلى المخيم الوديع ، رائحة الفسفور الأبيض ما تزال ظاهرة ، مظاهر الدمار منتشرة بكل مكان ، الحطام ما يزال كما هو ، رأى منزل الشهيد نزار ريان ، دعا له ولكل الشهداء بالرحمة ، مضى إلى صديقه ياسر ليخرجا معا ، لعلهما يجدا شيئاً من المساعدات ..
عمر ذلك الفتى الذي بلغ السبعة عشر ربيعاً ، يكبر صديقه ياسر بشهور ، استشهد أباه في الحرب الأخيرة على غزة ، وهدم بيتهم ، وسكنوا في الخيام ، حيث لا مأوى إلا هي !!
مضى الفتَيان معاً ، مخترقين طريقهم بين الدمار والحطام ، كل شيء يذكرهم بالحرب الأخيرة التي لن تمحى من ذاكرتهم ، فمن هنا دخلت القوات الإسرائيلية ، وهنا هدمت عشرات المنازل ، وهناك نفذت عملية استشهادية ، ومن تلك الساحة كانت تطلق صواريخ المقاومة ، الجدران مليئة بالعبارات الحماسية وعبارات المقاومة ، بعض المباني المدمرة ما زالت باقية على حالها تشهد على فظاعة الجريمة وعلى نكران الفعل ..
ياسر : شو رأيك عمر ، بتتوقع نلاقي شي اليوم ، ولا متل العادة ، ما في مساعدات بسبب الحصار وسياسة التجويع ؟
عمر : الله يفرجها ، شو بدنا نساوي ، ما لنا إلا الصبر والعون من الله ..
ياسر : عمتسمع الأخبار ها الأيام ، شايف شو عمساووا الخونة ؟
عمر : لا يكون كصدك أخبار الجدار العازل عالحدود بين مصر وغزة !
ياسر : إي ، هاد كصدي ، شايف الخيانة لوين بتوصل ؟
عمر : هول خونة ، وما بنستنى منهم خير ، فوق الحصار اللي عالشعب الفلسطيني ، بدهم يزودوا الحصار والمأساة أكتر ، بدهم يموتوا ها الشعب بسجنه ، وكل هاد لأنه قال لن نعترف بإسرائيل ، بقولوا خايفين منا على الأمن القومي ، ونسوا إنا إخوان بالدين والعقيدة والنسب والعروبة ، ونسووا إنا بشر وإلنا حقوقنا ..
ياسر : المقاومة شلون حتدخل المساعدات من مصر ، وهما حيهدموا الأنفاق ويبنوا الجدار ؟
عمر : لا تخاف ، الله معاهم ، وأكيد حيلاقوا طريقة والله حيعينهم ليخففوا ها الحصار شوي ..
ياسر : بتتذكر من شهور ودول العالم عمتعقد اجتماعات ومؤتمرات والكل بيحكي مشان الإعمار والمساعدات ، ورصدوا مبالغ كبيرة لإعمار غزة ، وما شفنا شي لهلأ !!
عمر : هاد اكتره حكي ونسج خيال وأمل للشعب الفلسطيني ، هاد أكتره ما بيتنفذ ، واللي دفعوا مبالغ راحت عجيوب السلطة ، والقليل وصل لغزة ، ولما حدا من المقاومة بجيب مساعدة مالية وبيدخل من رفح ، بيمسكوه عالمعبر وبفتشوه وبصادروا اللي معه ، وحتى تقرير غولدستون ، اللي كان يعتبر الأمل الوحيد للشعب الفلسطيني ، حتى يحاكم فيها قادة الاحتلال ، السلطة طلبت تأجيله ، في أكتر من هيك خيانة ؟؟
ياسر : إحنا ما قادرين نتحمل ، بدنا نجاهد ونقاوم ، بدنا نفجر باليهود وبعملاء اليهود ، وين ضربات المقاومة اللي كنا بنسمع عنها زمان ؟؟
عمر : المقاومة عمتخطط وتدرب رجالها ، وهما عارفين شو عمساووا ، ومع كل الحصار والتضييق والتشديد الأمني ، عمساووا عمليات ناجحة بقلب الكيان الصهيوني ، وإحنا لازم ننضم إلهم ونتدرب ونفذ عمليات ، بس لازم أول شي نتسلح بالإيمان ، حتى يكون إلنا خير زاد ..
ياسر : إي والله صدقت ، أنا مستني هديك اللحظة ، اللي بصير فيا جندي من جنود المقاومة ، برعب العملاء واسرائيل ، شوف هاد الأنروا ..
رجع الشابان خاليا الوفاض ، فارغا الأيدي ، فالأنروا مقفل بسبب الحصار والتجويع ، وأهل غزة ينتظرون سماح مصر لقافلة ( شريان الحياة ) بالعبور ، علها تساهم في إمداد هذا الشعب ببعض أساسيات احتياجاته ، وما تزال المؤامرة مستمرة ، وما يزال الحصار مستمرا ، ولم تغلق فصول هذه الحكاية بعد !!
عبد الــرحــمـــن الكــيـــلانـــي
1430/1/10هـ
من ذلك السجن الكبير | 30/12/2009 12:42:38
القصه لم تتوقف على حد الحبس والتجويع القصه أكبر من ذلك بكثير تصوير رائع لتلك المشاعر الإنسانيه داخل المخيم فلتكن هاكذا مشاراكات او فلا تقبل تحياتي