السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بوابة التاريخ -
الحلقة2
ها هو الشهر الثاني على فقداني للوظيفة يمر، وأسبوع على تلك الزيارة العجيبة، لازلت
أذكر تفاصيل ما حدث كأنما وقعت البارحة، حاولت مرارًا وتكرارًا إيجاد تفسير منطقي لما
حدث لكن دون جدوى ..!، أيكون حلمًا ...؟! لم لا..؟!، فأنا دخلت الحديقة في تمام الواحدة
وجاءني (عادل) في الواحدة والربع .. فلا يعقل أن الرحلة استغرقت ربع ساعة ..؟! أجل
.. مجرد حلم نتيجة الإرهاق .. لكن .." ، أغلقت التلفاز ونهضت إلى المكتبة التقطها من
الدرج، ووضعتها على الطاولة أمامي، ذات الطائرة الورقية التي كانت مع (رامي) ..؟! وبلا
أدنى شك أني لم أحملها معي قبل بدء الرحلة..!، يا إلهي .. يكاد رأسي ينفجر .. والأمرّ
من ذلك أني لا أستطيع نسيان ما حدث..!!، وإن بقيت هكذا فسأصاب بالجنون .. يجب أن أشغل
نفسي بشيء ما.. أخرجت هاتفي النقال وطلبت رقم صديقي (عادل) ..
-" السلام عليكم .. (عادل) .. أود رؤيتك .. في ذات المقهى.؟! .. اتفقنا .. أراك هناك
.. سلام .".
أنهيت المكالمة على عجل، فقبل أن أنزل عليّ أخذ حمام سريع ..
****** ******
مزدحمة كعادتها.. اتخذت منها ركنًا أنتظر قدوم السيد (عادل)، كما عهدته .. لا يقيم
وزنًا للمواعيد .. دائم التأخر، تلفت أرقب الجالسين حولي، بين لاعب ومدخن ومتحدث ..
ألا يخلوا هذا المقهى أبدًا .؟!.. أليست لديهم أعمال يقلقون عليها ..؟! أبناء يجلسون
إليهم ..؟! ..
-" مرحبًا (عمر) .. هل تأخرت عليك .؟!".
كان هذا (عادل) وصل لتوه .. فمططت شفتي امتعاضًا وأنا أشيح بوجهي عنه..-
-" لم استعجلت ..؟!.. لازال الوقت مبكرًا ..!".
ضحك وهو يسحب له مقعدًا ويلقي الصحيفة من يده على الطاولة:-
-"أنا آسف .. لكن الشارع كان مزدحمًا .. ورأيت أن أبتاع صحيفة اليوم .".
التقطت الصحيفة ونهضت قائلاً:-
-" هيا بنا إذن .".
رفع حاجبيه باستنكار:-
-" إلى أين ..؟! ثم أنا وصلت لتوي ..؟!".
جذبت ذراعه عنوة:-
-" إلى أي مكان .. أنت تعلم أني لا أطيق هذه الأماكن .. دعنا نتمشى هنا أو هناك .".
نهض متثاقلاً متضجرًا، واتجهنا إلى سيارته الرابضة في موقف قريب، صعدنا إليها وبدأنا
جولتنا في طرقات المدينة، كان الصمت سيد الموقف بيننا، فقد شغلت بتصفح الصحيفة و(عادل)
بالقيادة، كنت أشتعل غيظًا وكمدًا مع كل كلمة أقرأها عن الأوضاع الراهنة للشرق الأوسط،
حتى فاض بي الكيل لأرمي بالصحيفة على المقاعد الخلفية وأنا أردد:-
-" جبناء .. جبناء .. يكدوسون الأسلحة حتى تصدأ .".
أشعل (عادل) سيجارته بهدوء، سحب منها نفسًا عميقًا قبل أن يقول:-
-" الكلام أسهل من الفعل .. لو فعلوها وفتحوا الحدود فأنت أول المتقاعصين ..".
عقدت حاجبي غضبًا وصحت به:-
-" كيف تجزم بذلك ..؟!".
ابتسم في سخرية قائلاً:-
-" هذا واضح يا سيد (عمر) .. أنت بالكاد تضبط صلاتك في المسجد .. وتريد أن تقنعني أنك
ستتقدم صفوف المجاهدين ..".
أفحمني رده فلم أجد ما أجيبه به، أشحت بوجهي عنه أتطلع إلى الطريق وأنا أتفكر في كلامه،
فكم كانت سخريته قاسية، صحيح أني لا أصلي الفروض الخمس في المسجد لكني أحاول.. كما
أن ..
-" توقف .. توقف يا (عادل) ..".
ضغط (عادل) على المكابح بشكل تلقائي، والتفت إلي بغضب عارم صائحًا:-
-" ما الأمر يا (عمر) ..؟! .. لِمَ طلبت مني التوقف .؟!".
لم أبالي بسؤاله، وتطلعت في المرآة الجانبية أتأكد من خلو الطريق، نزلت وانطلقت مسرعًا،
في حين تابعني (عادل) بناظريه من مرآته الجانبية، وأنا أدلف إلى الحديقة العامة، فهز
رأسه في ذهول وهو يحرك سيارته مع زمجرة السائقين من خلفه .
****** ******
يتبع ..
أختكم/ يراع