المملكة العربية السعوديّة
الرياض – حي أم سليم
غُرة شوّال ---- من السنة الهجريّة
ولادتي التي كانت في حي أم سليم ، بالتحديد من بطن والدتي إلى الشارع الذي كان هو الحضانة وترابه هو سريري ، أم سليم وقتها كانت كـ براشوف ، بساطة موغلة في الفقر والعوز ، الريال الذي كانت ألفه كي يبدو أكثر ، وشراب الكعكي كولا أيَّام الجمعة ، وجارنا اليمني السَّكير ، المُبكي في الأمر أنني في أيَّام الشتاء القارص كنت أخرج للمدرسة باكراً عنوة كي ألحق على إفطار صديقي مبارك وجدته هيلة ، الفول الحار الذي وددت أكثر من مرة أن أُلطخ نفسي به ليحميني من البرد الناشف الذي يَدُك العظم دكّا .
طلعات البر في منطقة بنبان و صلبوخ و ظهرة – الزدْيّه – لا تزال في الذاكرة بكامل تفاصيلها ، الجاكيت الرصاصي المقلم ، والثوب الأصفر ، والشعر الذي لا ينبت أبداً أكثر من 2 سم ، الأشمغة الحمراء جداً ، الأيادي المتسخة والأظافر السوداء ، الخِراف النجديّة الكثيرة ، الإبريق الرصاصي الكبير الأشهب ، المطارح الصفراء ذات الورود الحمراء ، والبطانيّات الخضراء – كروهات - ، العيشة الرضيّة ، وأشرطة حجاب و خلف بن هذال وبشير ، الحديث عن تلكم الذكريات أشبه ما يكون برسم لوحة في الهواء ، بل أشبه بلعبة بدون كلام ، حركات بلا معنى ، وإيماءات مُعاق .
المملكة العربية السعودية
جنوب الرياض – حي السويدي
صفر 1422 من السنة الهجريّة
كلما ادلهمَّ الظلام ، وخيَّم الهدوء وسَكَت صوت المؤذن بعد آذان العِشاء ، كنت أخرج لأجوب الطرقات مع صديقي سعود على سيَّارته من نوع بيجو ، تلك البيجو التي تنال في كل يوم كم هائل من الضحكات وحركات الاستهزاء من سعود ، يقول أن هذه البيجو باستطاعتها الرجوع لبيتهم دون أن يقودها ، وأنه لا يخسر شيئاً من الوقود لأجلها فهي آكلة للأعشاب ؛ ليلة بعد ليلة ، وعلى ظهر بيجو أحمر مائل إلى لون الحنَّاء الذي يخضب أصابع النساء ، وطرقات السويدي الملفوفة بخرق سوداء ، وأعمدة الإضاءة الصفراء الخافتة ، والكثير الكثير من سيّارات الداتسون ، شوارع السويدي التي يطوّقها الظلام حتَّى في أكثر ساعات النهار نوراً ، مطابخ المندي والمظبي التي تُغذي بطون أصناف متعددة من البشر ، الفقير والبسيط ، السعودي والبنجالي ، النصّاب والصادق ، المختل عقليّاً والصحيح ، والكثير جداً من العزّاب ؛ الحفريّات التي تُزين شوارع السويدي بُنيت على جثث جماعيّة لأقوام ماتوا من القهر والكَمد ، سِرْ خصوبة الأراضي هناك بالتأكيد هو سَماد هذه الجثث ؛ ومما يُثيرني في السويدي أنَّهُ ينفرد بالصدارة كونه أكثر الأحياء تفريخاً للإرهابيين ، وأكبر مسرح للعمليات الإرهابية وتجهيزاتها ، وهذا ما يجعلني أُحبه وأرفض الخروج منه مهما حدث .
قراءة حيّ السويدي لا يقوم بها إلا 5 أصناف من البشر ، فإما عربيد مُفحط ، أو إمام مسجد يُقيم الصلاة في غير وقتها ، أو فقير يمشي على أربع من شدة الفقر ، أو رب أُسرة لا يعرف أسماء أبناءه ، وأخيراً بنغالي فاجر .
وأنا من الصنف الثاني !!
فقد عرفتُ الدين في سن التاسعة ، عندما دعاني أحد الذين غابت شمسهم لحلقات التحفيظ في مسجد الحارة المجاورة ، لا زلت أذكر تفاصيل تلك الرحلة تماماً ، كانت في طريق المدينة المنورة ، ركبنا سيّارة جمس تغص باللّحى والكثير من زمازم الشاي وحِزم الكتب و أوراق الأسئلة الثقافيّة ، كانت الوجبة في تلك الرحلة عبارة عن بسكوت الشمعدان ، كل 4 أشخاص في قطعة واحدة ، أعتقد أنه كان تدريباً عسكرياً بحتاً .
أعجبني فيهم الانضباط ، وحُبهم لبعضهم أكثر من حبهم لأنفسهم ، اعتزمت على الانخراط ونبذ كل أصدقائي الذين يُحرضونني على تفويت الحصص الأولى في المدرسة ، وسرقت المال من جيب ثوب أبي وقت الظهيرة ، نفث الدخان من الأنف والفم في آنٍ واحد ، نعم نعم ، أذكر المُحرض الأكبر فيهم ، كان اسمه عَزَّام ، كان بديناً ويلبس دوماً فانيلة المنتخب الألماني الفائز بكأس العالم 1990 ، كم مرة تمنيت أن أحصل على واحدة مثلها .
قضى الله أن يتبرَّعَ أحد المُتصدقين لبناء مسجد في الحارة بعد عامين ، ولأن حارتنا تَعج بالمعتوهين من شاذين ومشفطين ومجرمين لم يكن أمامهم إلا أن يختاروني مؤذناً تحت التدريب ، فكنت أرفعُ الآذان لصلوات العصر والمغرب والعشاء والفجر ، أما الظهر فقد كانت المدرسة تمنعني من ذلك ، بالرغم من أن فكرة ترك المدرسة راودتني كثيراً عملاً بالقول ( من ترك لله شيئاً أبدله الله خيراً منه ) لكن خوفي من مسدس الـ 9 ملم الموجود في خزنة الوالد كان يظهر لي دوماً كـ خلفيّة لهذه الفكرة ؛ كنتُ أحياناً أرفعُ الآذان وأُقيم الصلاة إماماً ، كنتُ أحفظ من كتاب الله ما يقارب العشرة أجزاء تلفتت الآن – لا حول ولا قوّة إلا بالله – تماماً ، حتَّى أني الآن أحياناً أُخطئ في الكوثر ؛ الكثير من اللوم والعتاب وجهَ لي بسبب رفعي لصوت مكبرات الصوت حتَّى أجعلها تصل لأذن عزَّام وحاشيته ، ليس لأجل أن يهتدوا مثلاً ولكن نكايةً بهم !!
للأسف أني انخرطت في سلم الدين بشكل سريع ، بسرعة البرق ، فلم تعد تُعجبني حلقات التحفيظ وكثرة المنتسبين – ومن بينهم عزَّام - لها لأجل كسب ود القاصر محمد ، أو المكتبات التي تجعلك كابن بطوطة ، كل ساعة في مدينة ، وكل دقيقة قطّة ، ففضلتُ الانعزال التَّام ، حيث حددت موقفي بأن يكون إماماً للمسجد وصديقاً لمجموعة من اللِّحى الغانمة – كما اسميهم - ، وكنت أقضي أيَّام الأسبوع إمَّا غارقاً في قراءة التراجم والتفاسير أو نائماً أو مُمسكاً بفنجان قهوة وأتبادل الحديث مع والدتي – حفظها الله - ، أما أيَّام عطلة نهاية الأسبوع فكانت في البَر ، والبَر فقط حتَّى في شدَّة القيظ ، كنَّا نحتمي من حرارة الشمس في مغارة كبيرة بإحدى القرى القريبة من مدينة الرياض !!
وهكذا سارت السنون ، ومرت مثل مر السحاب ، سريعة وهادئة ، كأنَّها رسم تخطيطي لقلب إنسان متوفى ، مستقيمة و صامتة !!
ومَنْ مِنَّا لا يعرفُ مدرسة الإمام الجوهري !! ، مجرد مرور هذا الاسم ( ثانويّة الإمام الجوهري ) يجعلني أُحلِّقُ في فضاء مليء باللِّحى ، الكثير من المنشوّرات ، الضدان يجتمعان في هذه المؤسسة التعليمية / التدريبيّة ، السافل اللئيم المنافق الكافر والمتدين المتطرف جداً ، لا يوجد حل وسط في هذه المدرسة ، حتَّى الطاولات والكراسي ، التحقت بتلك المدرسة الثانويّة ، مرَّت السنة الأولى التي كان يُدرسني فيها مادة الأدب قريبٌ لأحد المطلوبين ، الأستاذ / عبد الرحمن ، القصير صاحب اللّسان السليط ، لم أكن أعرف وقتها ما هي ( يا مسهرني ، ألف ليلة وليلة ، سيرة الحُب ) ، كان يخرج عن الدرس كثيراً ليتحدث عن أم كلثوم هذه ، كنتُ أظن في بداية الأمر أن المقصودة هي بنت رسول الله – رضي الله عنها - ، وتداركت بعد ذلك أن المقصودة هي مُطربة !
كان الأستاذ / عبد الرحمن عندما يدخل الفصل يضعُ شماغه بشكل ( لطمة ) ، كان ( عربجيّاً ) لا محالة ، يطلب منّا باستمرار قراءة القصائد ونحن نستمع لأم كلثوم ، والذي يُسمع له أغنية كاملة من أغاني أم كلثوم ستكفيه عن حفظ قصيدة من قصائد المنهج المُقرر ، صدقاً !!
أهداني هذا العبد الرحمن أوَّل كتاب – غير ديني - ، كان الكتاب بعنوان ( في سبيل التاج ) لمصطفى لطفي المنفلوطي ، وكتب عليه الإهداء التالي /
إلى الطالب النجيب / ----------
أيامٌ جمعنا فيها العلم ، علّنا عليه نفترق .
أُستاذك / عبد الرحمن
حقيقة ، لم أكن أنا الوحيد الذي نال هذه الهديّة ، كان هناك طالب آخر اسمه / سعود ، ولكن كتاب سعود كان مختلفاً ، كان مجموعة من أوراق الـ A4 ، وفيه جميع كلمات أغاني أم كلثوم ، لا أخفيكم تمنيتُ جائزته ، لا لشيء إلا لرغبتي في حفظ أغانيها لأجل درجات المادة !
حصلت على تقدير ممتاز في الصف الأول ثانوي ، ومن العشرة الأوائل على الصفْ ، والثالث على الفصل ؛ سعود أخفق في اجتياز الأول ثانوي ، الطّامة أن سبب رسوبه كانت مادة الأدب !!!!
في عائلتنا ، يُعتبر عيباً أن تنتسب للقسم الأدبي / الشرعي ، يجعلك ذلك تحت دائرة الضوء ، كأنك رجل متزوج وأمضيت 4 سنوات بلا أولاد ، نعم صدقوني ، نظرة قاصرة أعرف ذلك ، لكن ماذا أفعل !
كانت رغبتي هي مواصلة الدراسة في القسم الطبيعي / العلمي ، لكن محاولات الأستاذ عبد الرحمن لأجل إقناعي والانتساب في القسم الشرعي كادت أن تفلح لولا استعانتي بوكيل المدرسة و رئيس الهيئة في نفس الوقت الأستاذ والجلّاد في آنٍ واحد / صالح الذي فكّني من عبد الرحمن و بلاويه !
أكملتُ الدراسة وتخرجت من الثانويّة العامة ، بتقدير "جيّد" !!
أنا الذي كنت لا أرضى إلا برؤية اسمي في لوحة الشرف مقابل المقصف ، وشهادتي تقديرٍ وتفوّق في نهاية كل شهر ، أحصل على تقدير " جيّد " مع الرأفة ، أنا الذي أحفظ أجزاءً من القرآن أحصل على 51 فيه !!!
في الأمر سِرْ !!
نعم ؛ وأنا اليوم أوشك على إفشائه ، وأنْ يكون خبراً !!
تُرى ، هل فكّرتُ ، ذات يوم ، بأن سعود الغبي وعبد الرحمن الأخرق ، الصديق والأب الروحي ، كانا إنسانين يملكان حياةً أخرى ، غير التي أراها !!!
تصرفاتهما زادت غرابة ، والأسئلة حولهما تعددت ، بشكل استدعى أن ابتعد ابتعاداً كاملاً عن إمامة المسجد ، وانصرف عن كل ما يمت للدين بصلة ؛ والجدير بالذكر هُنا ، أن سعود الغبي صار ذكيّاً وعبقرياً ومضطلعاً في علم المتفجرات ، وعبد الرحمن الأخرق كان ذا دعمٍ لوجستي لا يقوم به جنرال من جنرالات الجيش الأمريكي ؛ قُبض على سعود وكذلك عبد الرحمن ، كلاهما يقبعان الآن في السجن منذ أمد طويل !! كلاهما يَسبق اسمهما الوصف ( إرهابي ) .
سعود البدين ، المتذمر والخامل يفعل هذا كله ، أيّ قوة في الأرض تستطيع تلوينه هكذا ، وعبد الرحمن الأخرق ، السمّيع لأم كلثوم ، يسكن داخله رجل كهذا ، عشتُ باقي مراحل الدراسة الثانويّة وأنا كالأعشى ، الليل يمشي بآنائهِ وأنا أُحملق في الإهداء الذي كتبه عبد الرحمن بخط يده في كتاب ( في سبيل التاج ) ، والصبحُ يسربل أشعته وأنا مسمِرٌ ناظريَّ في صور الرحلات البريّة مع سعود وهو يطبخ ، كنت أتوقعه لا يجيد غير الطبخ والنفخْ !!
هذا ما تفعله أرض حيّ السويدي بالسكّان المتعطشين لكل أمرٍ غريب !! ولا عجب في هذا ، فهم قومٌ يهيمون في شوارع ممدودة متسخة لا نهاية لها قد اعتبروا ، مُذ أبصروا النور هناك ، أنَّ نهاية شارع الأبراج هو نهاية هذه الدنيا ، وأنَّ ما بعده برزخٌ لا خير فيه ، هذا الإحساس يجهلهُ من عاشَ فِي حيّ الشفا والدخل المحدود ، أو المُترفين في شماليّ الرياض وشرقيه ؛ وبقي إجلالهم للمساجد المبنيّة من ( الشينكو ) الرخيص حتَّى يومنا هذا .
عزَّام ، ماتَ أبوه تاركاً وراءهُ ثلاثة أبناء رابعهم عزَّام وهو أكبرهم ، فأثقلوا كاهله أيما إثقال ، حتَّى وصل الأمر به إلى أن يتجاوز نهاية طريق الأبراج طلباً للرزق ، فحاول في كبائن الهاتف ولم يُفلح ، وعَمل في المبيعات لدى محلات البطحاء ونال نصيبه من الفشل الذريع ، فما كان منه إلا أن يُتاجر – أخيراً – في بيع الحبوب و صواريخ الحشيشة ، وها هو اليوم أصبح أعظم شأناً من ذي قبل وأطولنا باعاً في التجارة وذا تأثيرٍ كبير في الحارة .
إنَّ أكثر الأمور عجباً وغرابة هو أن تلك المخيّلة الخلَّاقة المُبدعة للأستاذ عبد الرحمن لا تزال تراودني مع كل أغنية لأم كلثوم ، وكل كتاب يقع بين يدي ؛ وعبقريّة سعود تزورني كلما شاهدتُ أكواع المواسير الصدئة و الألعاب الميكانيّكية الذكيّة .
وإلى جانب هؤلاء كلهم ، يقبع موسى في بيتهم كالآنسة ، ويتفرغ بيركامب البدوي لمتابعة القنوات الأوروبيّة الجنسيّة ، ويكرّس عبد الله حمد وقته لتلميع سيّارته الهوندا ، ولا يدرون بما حصل .
هناك أسئلة عديدة تردني دوماً من الأصدقاء بعد إلقاء هذه القصة ، أسئلة تطرح نفسها على العقول بذاتها : كيف يمكنك العيش بعد هذا كله ، كيف تمكنت من الوصول إلى هذه البحبوحة من العيش ، والانطلاق تلك الانطلاقة الشمّاء ، والتفرد ؟
كانت إجابتي تقتصر دوماً على القول ( بلاك ما تعرف السويدي ) !

هههههههههههههههههههه | 12/03/2008 08:47:48
ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه
والله جيتها على الجرح , بس مو كل الناس سوى
فيهم الصالح ... وفيهم الطالح
بس اكثر شي شدني ( راعي الهوندا )
هذا الموقف نشوفه بشكل شبه يومي !!
ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه